دعا الإسلام إلى التَّحلي والتَّخلق بكل خلقٍ حسن، فإنما يُعرف المسلم بأخلاقه الحَسَنة، ويمتاز عن غيره بتمسُّكه بها، ومما ينبغي على المسلمين أن يتميزوا به من الأخلاق خُلُق العفّة،
والعفة تعني
البعد عن الفواحش والرذائل والقدرة على ضبط الشهوات التي تدعو إليها النفس البشرية، فهي جُلبت على حبِّ الهوى، وطاعة النَّفس الأمّارة بالسوء،
وكلما ابتعد المسلم عن الشهوات والملذّات كان أقرب للتحلي بالعفة التي توصل إلى تقوى الله والقُرب منه، فما هي العفة؟
وكيف للمسلم أن يتحلى بها؟
. تعريف العفّة
لغة العفة في اللغة: مصدر عفَّ يقال: عَفَّ عن الحرام يعِفُّ عِفَّةً وعَفّاً وعَفَافَةً أي: كفَّ، فهو عَفٌّ وعَفِيفٌ،
عَفيف.......
اسم من أصله من اللغة العربية،
وهو على صيغة اسم فاعل من عَفَّ يعف عفة فهو عَفيف، الجمع أعفَّاءُ وأعِفَّة، المؤنث: عفيفة،
والجمع للمؤنث: عفيفات وعفائفُ.
هو اسم أو صفة مشبهة يدلّ على الثبوت والعَفَّة عن الخبائث والأمور المستنكرة.
ويقال: المرأة عَفَّةٌ وعَفِيفَةٌ، وأعَفَّهُ الله، واسْتَعَفَّ عن المسألة أي: عفَّ، وتَعَفَّفَ: تكلف العِفَّةَ.
والعِفة الكَفُّ عما لا يَحِلُّ ويَجْمُل، والاسْتِعْفاف طلَبُ العَفافِ.
تعريف العفة اصطلاحاً
يمكن تعريف العفة في الاصطلاح بأنها:
(هيئة للقوة الشهوية متوسطة بين الفجور الذي هو إفراط هذه القوة، والخمود الذي هو تفريطها،
فالعفيف من يُباشر الأمور على وفق الشرع والمروءة).
وقيل أيضا هي: (ضبط النفس عن الملذات الحيوانية، وهي حالة متوسطة بين الإفراط وهو الشره والتفريط وهو جمود الشهوة).
أنواع العفة
تُقسم العفة إلى نوعين رئيسين،
وبهما يمكن تمييز المسلم الملتزم بأخلاق الإسلام عن غيره من الناس:
النوع الأول: العفة عن المحارم،
ويُقصد بها الكف عن محارم المسلمين، من الدم والمال والعرض،
وهذه العفة نوعان عند العلماء،
الأول: ضبط الفرج عن الحرام؛ أي عدم الاقتراب الفعلي من الحرام سواء بالزنا أو ما قاربه من المحرمات، والثاني كفّ اللسان عن الأعراض؛ أي من الفحش والتفحش بالكلام كالغيبة والنميمة، والخوض في أعراض الناس، وغير ذلك.
النوع الثاني: العفة عن المآثم والمعاصي،
وهي نوعان:
الكف عن المجاهرة بالظلم؛
أي الكف عن ظلم الناس جهاراً نهاراً، وعدم الخوف من الله تعالى عند ظلم الناس، وعدم الاعتراف بظلمهم مع علم الظالم في سريرة نفسه أنه ظالم، وكفّ النفس عن الإصرار على الخيانة،
سواء كان ذلك في الظاهر أو الباطن؛ في الظاهر أمام الناس،
وفي الباطن في سريرة نفسه.
الدليل على مشروعية العفة........
١/ حثّ عليها الإسلام بقول الله تعالى بالقرآن الكريم فقال عز وجل...
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا}
(أي: من كان في غُنْية عن مال اليتيم فَلْيستعففْ عنه، ولا يأكل منه شيئًا.
هو عليه كالميتة والدم)
وقال سبحانه: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
(أي: ليطلب العفة عن الحرام والزنا الذين لا يجدون ما لا ينكحون به للصداق والنفقة، (حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي: يوسع عليهم من رزقه).
وقال سبحانه:
﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم﴾
يحسبهم
(... الْجَاهِلُ بحالهم أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ أي: من تعففهم عن السؤال وقناعتهم يظن من لا يعرف حالهم أنهم أغنياء، والتعفف التفعل من العفة وهي الترك يقال: عفَّ عن الشيء إذا كف عنه وتعفف إذا تكلف في الإمساك. تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ السيماء والسيمياء والسمة: العلامة التي يعرف بها الشيء
هي التخشع والتواضع
: أثر الجهد من الحاجة والفقرصفرة ألوانهم من الجوع والضر وقيل رثاثة ثيابهم، لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا
إذا كان عندهم غداء لا يسألون عشاءً، وإذا كان عندهم عشاء لا يسألون غداءً، وقيل: معناه لا يسألون الناس إلحافًا أصلًا لأنه قال: من التعفف، والتعفف ترك السؤال).
وقال سبحانه:
﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾
٢/ قول الرسول صلى الله عليه وسلم
«ما يكونُ عندي من خيرٍ فلن أدَّخره عنكم، ومن يستعففْ يُعِفّه اللهُ».
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه كان يقول: ((اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى))
(أما العفاف والعفة؛ فهو التنزه عما لا يباح، والكف عنه، والغنى هنا غنى النفس، والاستغناء عن الناس، وعما في أيديهم).
«بروا آبائكم تبركم أبناؤكم وعفوا تعف نساؤكم».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((ثلاثة حقٌّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله
والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف)
(أي العفة من الزنا)
.
إنما آثر هذه الصيغة إيذانًا بأن هذه الأمور من الأمور الشاقة التي تفدح الإنسان وتقصم ظهره،
لولا أنَّ الله تعالى يعينه عليها لا يقوم بها، وأصعبها العفاف؛
لأنَّه قمع الشهوة الجبلِّية المركوزة فيه، وهي مقتضى البهيمية النازلة في أسفل السافلين، فإذا استعفَّ وتداركه عون الله تعالى ترقَّى إلى منزلة الملائكة وأعلى عليين)